آخر تحديث : الاربعاء 2018/11/14م (00:01)
"الأمناء" تنشر تفاصيل "500" وثيقة من الأرشيف البريطانيّ عن الضّالع
الساعة 10:23 PM (الأمناء / بحث وترجمة: بلال غلام حسين :)

لا يخفى عن المتابع لسير الأحداث ــ بكل أنواعهاــ من دور في تاريخ الشّعوب والمجتمعات, ولو أمعنّـا النّظر في ثنايا الأحداث التّاريخيّة الكبرى لوجدنا أنّ الإنسان لعب دوراً كبيرًا على مرّ العصور في صياغة هذا التاريخ وأحداثه ــ ولو بحكاية ــ أو زيارة مكان ما.  إنّ التّاريخ يحفل بالكثير من الأحداث بين طيّاته ولكي نستعرض كلّ تاريخ الشّعوب فلابدّ لنا من سردها في موسوعات ضخمة, وما أنوى كتابته لكم اليوم هو عن حقبة معيّنة من تاريخ عدن, حقبة جميلة ومميزة سطّر التّاريخ كلّ تفاصيلها لتُعلم للأجيال المتعاقبة. 

في الحلقة الجديدة من "صفحات من تاريخ عدن " سـ أعرض اليوم قصة سردها التّاريخ حدثت تفاصيلها في مدينة الضالع وعن كرم أهلها,وأهل الجنوب هم أهل كرمٍ وحضارةٍ.

حلقة اليوم هي سرد لـ ذكريات من الإرشيف البريطانيّ ذكرها اثنين من الضّبّـاط البريطانيّين من فوج الكتيبة الاسكتلنديّة الخاصّة بالملك, في رحلة قاما بها من عدن إلى الضالع في العام 1906م.  وفي طيّ هذا الموضوع سوف نتكلم عن ضيافة حاتميّة تحكيها أسرة بريطانية تم استضافتها في بيت أمير الضّالع في فترة ما.

وتوجد بين طيّات هذه القصة الكثير من التّفاصيل البسيطة ولكنها مثيرة للاهتمام, من خلال وصف دقيق لمدينة الضالع أثناء تلك الرحلة للحياة العسكرية في تلك الفترة.

يتحدّث الضّباط عن زيارتهم بالقول : "كان معسكر الكتيبة يقع على بعد ميلٍ واحدٍ من قرية الضّالع ــ حيت يقيم الأمير في موقع يسمى الزريبة ــ وكان سبب وجود ذلك المعسكر هناك لحماية الحدود من الأتراك الذين كانوا يحتلّون اليمن آنذاك.كانت بوابة القرية تغلق في الساعة السادسة والنصف مساءً, ولا يسمح لأيّ شخص بالخروج بعد ذلك الوقت".   

والضّالع هو الاسم الأصلي للمدينة,وأميرها شخصٌ ودودٌ, وهو المسئول الأول تحت الحماية البريطانيّة.  بُنيت المدينة على رأس وادي, وبُني محيطها العام بطريقة تشكيلات دفاعية.

 تعتبر الضالع غنية بالمزارع وتكثر فيها الآبار, وعلى بعد عشرة أميال توجد هناك محطة إرسال على ارتفاع 6000 ألف قدم, ويعمل بها 28 رجلاً تحت إمرة ضابط الاتّصال.

من أكتوبر إلى شهر مارس من كلّ عامٍ يكون المناخ في الضالع شديد البرودة, ومن أبريل إلى يونيو يكون الجوّ فيها شديد الحرارة, والأشهر من يوليو إلى سبتمبر تكون فيها الأمطار غزيرة.

التّربة في الضّالع هي من نوع خاصّ؛حيث تجفّ سريعـاً, في الشّهور الثّـلاثة الأولى من العام ــ يناير, فبراير ومارس ــ تكون الحدائق فيها غنيّة بـ الخضروات الوفيرة وذات نوعيّة ممتازة, وتكون زراعة الخسّ فيها من أفضل الزّراعات.

كانت بقيّة المخيمات العسكريّة تتواجد في الشيخ عثمان, نوب الدُكيم, سيّد علي, حردبة والملاح.  كانت مخيمات الشيخ عثمان من أفضل المناطق راحة, حيث كانت توجد الكثير من الحدائق الفسيحة والمناسبة للرحلات والنزهة.

وكانت هناك عدة طرق ممهّدة بين المخيم والآخر وتوجد بها إمدادات المياه الضرورية.

ومن جهة أخرى وفي فترة ما, تمّ دعوة عائلة بريطانيّة من قبل أمير الضالع, وكان ربّ الأسرة يعمل مهندسًا إنشائيًا مع السّرب 5004 البريطاني, والذين كانوا مخيمين بالقرب من مدينة الضالع, وقد قدم ربّ الأسرة إلى الضّالع لتوسعة مدرج مهبط الطائرات في جحاف.

يقول الطفل بيتر سارداً القصة من خلال كلمات طفوليّة بسيطة عن هذه الدّعوة قائلاً: (( بعد المرور من خلال الممرّات الضيّـقة والمظلمة لمنزل زعيم القرية,وصلنا إلى داخل حرمٍ منعزلٍ خاصّ بالنّساء؛بينما أُخذ والدي إلى حجرة الضيوف الخاصّة بالرّجال, ربّما لمضغ القات أو لتدخين المداع.

كانت الغرفة الخاصة مليئة بالنساء الذين يرتدون الملابس السوداء, وكانوا يتحدثون بشكل مبهم, وبدأ الموقف وكأن القرية بأكملها حضرت لهذه المناسبة النادرة, ويبدوا أنّ بعض النّساء لم يسبق لهم بأن شاهدوا امرأة بيضاء البشرة في حياتهم.

رفع الكثير من النّساء المتواجدات النقاب عن وجوههنّ وأخرجن أيديهن من طيات لباسهن الأسود لتمتد إلى والدتي لتحسّس بشرتها البيضاء مصاحبة بـ ابتسامات وضحكات وكأنّهن يتأكّدن من أنّها امرأة حقيقية.

 لم يكن يجري بيننا أيّ حديث نظراً لفرق اللغة, ولكن أخبرنا المترجم الخاصّ والذي كان موجوداً في حجرة الرّجال بأنّهم كانوا يتسألون كم من الإبل والماعز كلّفت والدي لدفعها كمهر لأمي؟!.

 قُدم لنا الشّاي بنكهة النعناع, وأعطيت لنا فاكهة الكمثري النّادرة كضيافة خاصة,وكان ذلك كافياً لإرضاء معدتي حيث إنّني كنت جائعاً.

وكما جرت العادة من قبل هؤلاء الأشخاص الكرماء عند توديعهم للضّيوف هي تقديم العطايا من باب الكرم؛لذا قُدمت لي ولوالدي هدية قيّمة عبارة عن جنبيه,وأعطيت لوالدتي قطعة قماشٍ فاخرةٍ محلّيـّة الصّنع.

قد يتساءل القارئ:ما دخل هذه القصة بالتاريخ؟!أقول:لم يوثّق التاريخ هذه القصة من باب العبط ولو كانت كذلك ما كان المؤرخون حفظوها في كتبهم وإرشيفهم, نظراً لأنّ القصص الإنسانية تلعب دوراً في تاريخ الأمم,وهي سنة كونية, ولأن البشر هم من يصنعون التّاريخ وليس مهماً بأن يكون هذا التاريخ عبارة عن قصة حدثت مع طفل صغير, ولكنّ الأهمّ؛هو بـ أنّ العلاقات البشريّة تكون عبرة لمن سوف يأتي من بعدهم.

وبهذا نأتي إلى ختام موضوعنا المختصر وإن دلّت هذه القصة على شيء؛فإنّما تدلّ على كرم أهل الضالع وبساطتهم في التعامل مع ضيوفهم حتى لو كانوا غرباء. ولهذا ذُكرت سطور هذه القصة في إرشيف عدن التّاريخيّ. 

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
793
عدد (793) - 14 نوفمبر 2017
تطبيقنا على الموبايل