آخر تحديث : الجمعة 2017/09/22م (01:47)
" قهوة المساء "
الساعة 09:20 PM (الأمناء نت / فاطمة سالم المحروقي :)

كثيراً ما سمعت بفجرَ الظلام ، بقهوة الصباح ، و نور المصباح .. لكن لم يمرّ على مسامعي أبداً ( قهوة المساء ) ..
في الواقع أنا ابتكرتُها ، قهوة المساء لم تكُن عادة يفعلها أي بشري سوى اولئك المرهقون اولئك الكئيبون المزعمون على السهر ليلاً ،الملهمون بكل تفاصيل السماء ، الليل و القمر .
الخائفون من النوم كي لا تنهمل عليهم لعنة الذكريات مقابل الواقع الأليم .
خليل ، ذا التاسعة والعشرون ، طويل القامة
أسمر البشرة ، ذا شعر أسود و لحية كثيفة ، وعينان خضراوتان تماماً كالنعناع ، شاب ذكي جداً ، و مُبتكر " قهوة المساء " .
تعرفت بخليل أثناء دراستي في قسم المختبرات ، حيث كان أحد طلاب الصف .
هو لم يكن كأحد مننا بل كان غريباً نوعاً ما ، بالرغم من ملامح الغرور و الأناقة التي تبدو عليه منذ أول لقاء .
هادئ جداً و انطوائياً ، حيث كان يحضر معنا في كل يوم يستمع للمحاضرة لا يسأل كثيراً ، ويقوم بالتطبيقات التي عليه في المختبر ، و عند انتهاء الدوام يغادر سريعاً ، يكاد ألا أثر له .
يوماً بعد يوم شخصيته شدّتني للتعرف عليه أكثر بالرغم من انني في بادئ الأمر كنت اسخر منه امام صديقاتي ، لكن أصريت ان اخلق حوارات معه و إن كانت قصيرة .. 
في الأيام المقبلة وضع أستاذي تحدّي لنوع من انواع الادوية بحيث ان يعمل الطلاب في مجموعة وبالصدفة كنت و خليل في ذات المجموعة ، ف كانت تلك هي الفرصة المنتهزة ليتسنّى لي الحديث معه ، لحظتُ في كل مرة اتحدث بها معه شيء جديد في شخصيته او ربما فجوة تقودني لمتاهة اخرى مجهولة ،
تبعث بداخلي الكثير من التساؤلات المحيّرة نحوه .
لم يمر شهرين على دراستنا سوياً إلا و قد بدأ خليل بالتغيّب ، كان اول ما يشدني الى الصف عند دخولي ( طاولته و كرسيه ) .
لكن مضت ثلاثة ايام لم اراه فيها ، حاولت ان اسأل بعض الزملاء لعل احدهم قريباً منه اكثر مني .. لكن ما من جدوى لذلك .
سألت بعدها أستاذي ف أخبرني انه قدّم طلب إجازة لإسبوعين !
صُدمت حينها ، شعرت بوخزة في قلبي ، حتى جسمي بدأ يثلج برودة و يرتجف ، لم اعلم قط لِما اشعر بذلك ، بالأصح لما انا مهتمة به ، وقد كنت اناديه يوماً بغريب أطوار !
في اليوم المقبل أخذت رقمه و عنوان منزله من ملف الطلاب في المكتب ، و لما عدت لمنزلي بعثت له رسالة صوتية كان مفادها :
مرحبا خليل ! أنا ماري ، كيف حالك اممم لقد مرّ اسبوع على غيابك ، قلقت اقصد قلقنا عليك ، جميعنا .. خليل أرجو ان تردّ على رسالتي فور سماعك لها .
أغلقت بعدها هاتفي مع إني كنت سأطمئن برده عليّ ، لإنني خشيتُ لبرهة أن يخبرني بأنه سيغيب اكثر .
استمرَّ بالغياب حتى لم أحتمل اكثر من قلقي عليه ، ذهبت لمنزله ، طرقت الباب مرتين : خليل ، انا ماري هلّا فتحت ؟
ف لما فتح لي لم أصدق تلك الهيئة التي رأيته بها ، ملامحه الشاحبة ، الاحمرار في عيناه ، السواد تحت عيناه .
ارتبكت للحظة : خليل ! ما بك ! ، و رفعت يدي للحظة لأربت على كتفه ثم أنزلتها مسرعة ، ووضعتها خلف رأسي ، 
ماري : خليل هلّا تحدثنا ! 
خليل : تفضلي ماري ، قهوة ؟
ماري : في هذا الوقت ! لا لا شكراً لن استطيع النوم بعدها ، ايضاً لا تكثر من القهوة تبدو متعباً ربما تحتاج لأخذ قيلولة .
خليل ابتسم ابتسامة فاقدة للأمل ، كأنه يقول في نفسه : 
إن القهوة وحدها ملازمتني ، كيف اتخلى ؟!
بعدها سألتني ماري : لقد مر شهرين درسنا و عملنا بها معاً ، كانت امتع أوقات ، شهرين الا يكفي لتثق بي ! الا يكفي لتخبرني عما يمزقك إرباً من الداخل ! ماذا عن دراستك ستهملها ؟ لسبب مجهول ! أرجوك فِق !
خليل : ماري اولاً انا لا اعلم لِما انتِ مهتمة جداً ، ثانياً لا تقلقي من دراستي فأنا مهتم بها حتى وإن تغيّبت ف الدليل شهادتي . مرة أخرى لا داعي لتقطعي المسافات الطويلة من اجلي .
ماري : تعلم شيئاً انا أخطأت حين قلقت واتيت بنفسي لاطمئن على حالك ، انت بالفعل مريض و يجب ان تذهب لطبيب ليعالجك

- غادَرَت مسرعه و كانت في أوجّ غضبها و خبطت الباب بشدة حتى اخترقت الرياح قطع ملابسي . 
لم اكن اعلم ما ينبغي عليّ بالفعل ان اخبرها ، كنتُ قليل الحيلة ، كنت أخشى ان تلحظ مرضي ، لقد كنتُ اعاني من مرض نفسي و خلال تغيبي من الكلية كنت احضر جلسات مع الطبيب ، أأمل ان اتعافى قريباً .
بعد عدة سنوات تخرجنا من الكلية و نِلت بفضل الله درجة عالية ، ماري ايضاً .
لكن ماري لم تعد تحادثني ابداً و تفضّل ان تتحاشاني ما ان تراني ، كما انني علمت ب آخر فترة أن الكلل والمرض كان يكسوها ، والسبب كان حتماً أنا . انا لم استطع ان ارى ماري بحياتي سوى صديقة لكن قلقها و اهتمامها كانا يشعرانني كأنني قطعة من روحها .

بعد شهر تماماً من يوم تخرّجي قررت العودة الى موطني " سوريا "    لم اقابل ماري . فقط بعثت لها رسالة ورقية كان مفادها :
عندما كنتُ في السابعة بدأت الحرب تشتعل اكثر في سوريا ، كل يوم كنت ارى امامي اطفال بعمري يُقتلون ، وكبار في السن يتعذبون ، و شباب يستشهدون . الموت كان أمامي دائماً بل كان خليلي ، كنت انتظره صباحاً و مساءً ، اتذكر جيداً معاناة اهلي وخوفهم عليّ و على إخوتي ، و لما استطعنا الهروب و اللجوء الى بلدة العراق توفى امام عيناي والداي و إخوتي الصغار ، شاهدت كيف يلفظون انفاسهم الأخيرة ، شاهدت الموت يسرقهم مني ! كنتُ الناجي الوحيد من بينهم ! في الواقع أُصبت بحالة نفسية شديدة لم أعاني من الفقد في حياتي كلها كما أعاني الآن ، حاولت ان اتعالج اكثر من مرة و حضرت جلسات مع طبيبي النفسي ، لكن فقدي لأهلي إنتزع روحي ، ما من دواء يشفي سُقمي . كل انسان مننا  يعاني من حالة نفسية وأدناها تلك الحالة المسماه ب الفوبياء .
ماري ، كنتِ دائماً تهتمين كان حبك لي يسبق كلامك ، كان حبك لي يتدفق من عيناكِ كالماء العذب ، لم يكن قلبك الا ملكي ، و لم يكن قلبي الا سراب ! كان قلقك عليّ يذكرني كثيراً ب أمي  ، كان توبيخك لي يذكرني ب أبي .
أتذكر تماما توبيخك لي المستمر بشأن القهوة ، الا تعلمين انها رفيقتي ، ه‍روبي من مشاكل الحياة كان الى قهوتي ، حيثُ كنت ارتشفها صباحاً و مساءً لكنني كنت افضلها اكثر في المساء وهذا هو السبب لعلامات الأرق والسواد تحت عيناي .
ماري انا لم استطع ان افعل من أجلك شيئاً ، لإنني بالفعل جبان و أعترف بذلك ، لكن الشيء الوحيد الذي استطيع ان افعله هو ان اجعلك تعشقي القهوة .
القهوة تتطلب منك اهتماماً بالغاً عند تحضيرها و الا لن تستمتعي بجمالها و مذاقها ، احذري النار العاليه فهي سبب لثيران القهوة واشتعال الغضب فيها ، عليكِ بالنار الهادئة ، و عند إضافة حبات القهوة اغلقي عيناك واستنشقي كل حبة ، اغمريها بحبك ، لا تضيفي السكر ف حلاوة القهوة بنقاوتها ، كأنها تخبرنا ان نكون متفرّدين بأنفسنا ألا ندخل حبات السكر فينا ، أن نكون سادة بمعنى الكلمة . القهوة هي القوة ، هي الرفيق الوحيد لكِ ، هي السبب في تعديل مزاجكِ . بالرغم من ذلك هناك عيب واحد فقط بشأنها ، تُطِل الذاكرة ، كل الأحداث واللحضات التي لطالما أردنا نسيانها ، كان لمكوثها سبب هو القهوة .
مع خالص ودّي " خليل " 
لمّا إستلمت المكتوب و قرأته حرف حرف و كلمة كلمة كانت الدموع تنهمر مني كالسيل حتى اصبحت الرسالة ب أكملها معبأة بالدموع .
لم يلبث اسبوع الا وسمعت بنشرة الراديو صباحاً ب إستشهاد خليل في الجبهة المحاربة بسوريا .
لا اتذكر شيئاً سوى ذلك السواد الذي ملئ عيناي ب لحظتها ، و ذلك الدوار الشديد الذي من بعده فقدت توازني .
حتى أصبحت في تلك العناية المركزة بل غرفة الكابوس المظلم ، لا أعلم ما إن كنت في حقيقة أم سراب !

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص
صحيفة الأمناء PDF
770
عدد (770) - 21 سبتمبر 2017
اختيارات القراء
  • اليوم
  • الأسبوع
  • الشهر
تطبيقنا على الموبايل